ابن رشد

98

تهافت التهافت

المسألة الثالثة « في بيان تلبيسهم بقولهم أن اللّه فاعل العالم وصانعه وأن العالم صنعه وفعله وبيان أن ذلك مجاز عندهم وليس بحقيقة » إلى قوله : والعالم مركب من مختلفات فكيف يصدر عنه ؟ قلت : قوله : أما الذي في الفاعل فهو أنه لا بد وأن يكون مريدا مختارا عالما لما يريده حتى يكون فاعلا لما يريده . فكلام غير معروف بنفسه وحد غير معترف به في فاعل العالم إلا لو قام عليه برهان أو صح نقل حكم الشاهد فيه إلى الغائب . وذلك أنّا نشاهد الأشياء الفاعلة المؤثرة صنفين : صنف لا يفعل إلا شيئا واحدا فقط وذلك بالذات مثل الحرارة تفعل حرارة والبرودة تفعل برودة وهذه هي التي تسميها الفلاسفة فاعلات بالطبع ، والصنف الثاني : أشياء لها أن تفعل الشيء في وقت وتفعل ضده في وقت آخر وهذه هي التي تسميها مريدة ومختارة ، وهذه إنما تفعل عن علم ورويّة . والفاعل الأول سبحانه منزه عن الوصف بأحد هذين الفعلين على الجهة التي يوصف بها الكائن الفاسد عند الفلاسفة ، وذلك أن المختار والمريد هو الذي ينقصه المراد ، واللّه سبحانه لا ينقصه شيء يريده ، والمختار هو الذي يختار أحد الأفضلين لنفسه واللّه لا يعوزه حالة فاضلة والمريد هو الذي إذا حصل المراد كفت إرادته وبالجملة فالإرادة هي انفعال وتغير ، واللّه سبحانه منزه عن الانفعال والتغير . وكذلك هو أكثر تنزيها عن الفعل الطبيعي لأن فعل الشيء